ابن قيم الجوزية

519

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

الدين كله خلق الدين كله خلق . فمن زاد عليك في الخلق : زاد عليك في الدين . وكذلك التصوف . قال الكتاني : التصوف هو الخلق ، فمن زاد عليك في الخلق : فقد زاد عليك في التصوف . وقد قيل : إن حسن الخلق بذل الندى ، وكف الأذى ، واحتمال الأذى . وقيل : حسن الخلق : بذل الجميل ، وكف القبيح . وقيل : التخلي من الرذائل ، والتحلي بالفضائل . وحسن الخلق يقوم على أربعة أركان . لا يتصور قيام ساقه إلا عليها : الصبر ، والعفة ، والشجاعة ، والعدل . فالصبر : يحمله على الاحتمال وكظم الغيظ ، وكف الأذى ، والحلم والأناة والرفق ، وعدم الطيش والعجلة . والعفة : تحمله على اجتناب الرذائل والقبائح من القول والفعل ، وتحمله على الحياء . وهو رأس كل خير . وتمنعه من الفحشاء ، والبخل والكذب ، والغيبة والنميمة . والشجاعة : تحمله على عزة النفس ، وإيثار معالي الأخلاق والشيم ، وعلى البذل والندى ، الذي هو شجاعة النفس وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته . وتحمله على كظم الغيظ والحلم . فإنه بقوة نفسه وشجاعتها يمسك عنانها ، ويكبحها بلجامها عن النزغ والبطش . كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ليس الشديد بالصرعة ، إنما الشديد : الذي يملك نفسه عند الغضب » وهو حقيقة الشجاعة ، وهي ملكة يقتدر بها العبد على قهر خصمه . والعدل : يحمله على اعتدال أخلاقه ، وتوسطه فيها بين طرفي الإفراط والتفريط . فيحمله على خلق الجود والسخاء الذي هو توسط بين الذل والقحة . وعلى خلق الشجاعة ، الذي هو توسط بين الجبن والتهور . وعلى خلق الحلم ، الذي هو توسط بين الغضب والمهانة وسقوط النفس . ومنشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة . ومنشأ جميع الأخلاق السافلة ، وبناؤها على أربعة أركان : الجهل . والظلم . والشهوة . والغضب . فالجهل : يريه الحسن في صورة القبيح ، والقبيح في صورة الحسن . والكمال نقصا والنقص كمالا . والظلم : يحمله على وضع الشيء في غير موضعه . فيغضب في موضع الرضى . ويرضى في موضع الغضب . ويجهل في موضع الأناة . ويبخل في موضع البذل . ويبذل في موضع البخل . ويحجم في موضع الإقدام . ويقدم في موضع الإحجام . ويلين في موضع الشدة . ويشتد في موضع اللين . ويتواضع في موضع العزة . ويتكبر في موضع التواضع . والشهوة : تحمله على الحرص والشح والبخل ، وعدم العفة والنّهمة والجشع ، والذل والدناءات كلها .